حيدر حب الله

382

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

التيارات الفكرية الأخرى ! ! ومعنى ذلك أنّ من المطلوب منّي ممارسة عملية تلميع يومي للشريعة ، كي يرضى عنها فلان أو فلان ، أو تعجب الغرب أو الشرق ! ! إنّني أجد في أوساطنا الكثيرين ممّن بات يقدّس الواقع ، فكل شيء هو واقع فهو مقدّس ، لا يجوز التفكير بالمساس به أو نقده ، بل علينا إنتاج فقه يرضيه ، وإنتاج مفاهيم إنسانية ودينية تتوالم معه . إنّني أرفض هذا اللون من التفكير رفضاً تامّاً ، وأرى أنّه ينبعث من عقلية المنطق التبريري التكريسي ، وليس من عقل تغييري نقدي جريء . قد تكون بعض الأحكام الفقهية اليوم غير متوالمة مع الناس ، ليس لأنّ هذه الأحكام غير صحيحة بالضرورة ، بل لأنّ الناس انحرفت حدّاً تغيّر فيه مزاجها وثقافتها وعقلها وحتى ذوقها السليم ، بفعل التأثيرات الإعلامية العملاقة للقوى الكبرى في عالم اليوم ، وعلينا أن لا نعيش عقدة إرضاء الآخر الذي بنى طريقة تفكيره على أساسيات هي في نفسها خاطئة من وجهة نظرنا ، فمن يستقذر في ذوقه طعم العسل لا يمكنني أن أقنعه بأكله ، بل عليّ الاشتغال على البنيات التحتية التي كوّنت ذوقه هذا . رغم إيماني العميق بضرورة واقعيّة الفقه ، وانتقادي الشديد لواقع الفقه الإسلامي اليوم في غير موقع ومجال ، لكنّني لا أجد من المنطقي أبداً أن نطالب الفقه دوماً بإرضاء الآخرين ، ممّن يملكون نفوذ الواقع وسلطانه في عالم الثقافة والفنّ والجمال والوعي والفكر . وإذا عجزتُ عن إقناع الآخر بجماليّة فكرتي ؛ لأنّ نظامه الذهني مباينٌ لنظامي الذهني ، فإنّ العجز عن إقناع الآخر بفكرةٍ ما ليس دليل صحّة هذه الفكرة ، ولا هو دليل بطلانها أبداً . إنّني أدعو إلى معالجات متوازنة لهذه الأمور لا تريد أن ترضي مشهور الفقهاء ولو على حساب الواقع